المدارس القومية في السودان

hatim

المدير العام
طاقم الإدارة
#1
بقلم / د. فيصل عبد الرحمن علي طه

في فبراير 1937 أُستُقدمت إلى السودان لجنة برئاسة لورد ديلاوير للوقوف على أوضاع التعليم في كل مراحله وإعداد توصيات بشأن تطويره، زارت اللجنة بعض المدارس الأولية والوسطى وكلية غردون ومدرسة الطب ومعهد التربية ببخت الرضا، وقد أُعجبت اللجنة ببخت الرضا وأوصت بإنشاء «بخت الرضا» في كل مديرية، كما أوصت بنقل المدرسة الثانوية من كلية غردون إلى موقع ريفي بعيداً عن مؤثرات الخرطوم الإجتماعية والسياسية، وأوصى ديلاوير بأن تُستغل مباني كلية غردون التذكارية لتطوير التعليم العالي .
*1/ وادي سيدنا*
شُرع في بناء المدرسة الثانوية الجديدة في ضاحية وادي سيدنا التي تقع شمالي أم درمان (القديمة) وتبعد عنها بحوالي 14 كيلومتراً، ولكن ثانوي كلية غردون لم ينتقل في بداية الأمر إلى ذلك الموقع لأن ظروف الحرب العالمية الثانية إقتضت إستخدام مباني كلية غردون ومباني المدرسة الجديدة في وادي سيدنا لإيواء قوات عسكرية، لذلك إنتقل الثانوي إلى مدرسة أم درمان الأميرية الوسطى وتم إيواء الطلاب في منازل مستأجرة في العرضة ومواقع أخرى قريبة من المدرسة، وفي ذلك الأثناء شُرع في بناء ثانوية أخرى في حنتوب على الضفة الشرقية للنيل الأزرق قبالة مدينة ود مدني وقد تم ذلك إعمالاً لخطة مصلحة المعارف للفترة 1938- 1946م

*الدفعة الأخيرة في أم درمان*
كانت آخر دفعة تكمل الثانوي بأم درمان في ديسمبر 1945 الدفعة التي كان أولها بجدارة عبدالخالق محجوب، وكان من بين أفرادها كذلك : محمد عمر بشير، وأحمد عمر خلف الله، وعبدالله علي جاد الله، وصلاح عبدالرحمن علي طه، ويحيى عبدالمجيد، وعبدالله عبدالوهاب، وعبدالرحيم ميرغني، والباقر عبدالمتعال، وموسى ساسون ليفي، وتوفيق أحمد سليمان، وكمال عثمان بلال، وكمال البكري، وفاروق الطيب ميرغني، وصلاح أمبابي، ومرتضى أحمد ابراهيم، وإمام دوليب، وأبو بكر عثمان محمد خير، وكرار أحمد كرار، ومحمد خير البدوي .. وغيرهم كثير .

*غروب شمس ثانوي الكلية*
في عام 1946 إنشطر ثانوي كلية غردون العريق إلى قسمين، قسم إتجه صوب وادي سيدنا وإتجه القسم الآخر إلى حنتوب، كانت وادي سيدنا أول المغادرين حيث تم إفتتاحها في 29 يناير 1946 مع أن بعض مبانيها كانت لا تزال محتلة من قبل القوات الجوية لجنوب افريقيا .
أُختير لانج ناظراً لوادي سيدنا وعين له مساعدان وقد كانا مستر هانكس وعبيد عبدالنور وإنتقل إليها من أم درمان كمدرسين صالح عبدالعظيم خليفة، وعبدالله بشير سنادة، وحسن أحمد، وأحمد المرضي جبارة، وبشرى عبدالرحمن صغير، ومجموعة من المدرسين البريطانيين كان من ضمنهم برايت الذي أصبح من بعد رئيساً لشعبة اللغة الإنجليزية ببخت الرضا، أما عدد التلاميذ بوادي سيدنا آنذاك فقد كان 322 تلميذاً .
في إمتحان شهادة كمبردج للعام 1946 كان عدد الجالسين للامتحان من وادي سيدنا 74 ممتحناً حصل منهم 59 على الشهادة، ونجح 17 من هؤلاء بمستوى قبول لندن Matriculation London .

*2/ حنتوب*
إنتقلت حنتوب إلى مقرها الجديد شرقي ود مدني في سبتمبر 1946 وقبل أن تكتمل معظم مبانيها، وبذلك أُسدل الستار نهائياً على ثانوي كلية غردون، و ودع أحمد محمد صالح إنقضاء عهد ذلك الثانوي بقصيدة ورد فيها :
مال ميزانها وحان الغروب
وإنقضى عهدها فليست تؤوب
شمس علم قد عبرت نصف قرن
وهي كالسيف عزمها مشبوب
برزت من قرابها(وادي سيدنا)
وإنبرت من عرينها(حنتوب)

وكما أوصى لورد دويلاوير فقد أقيمت في عام 1945 في مباني الكلية بالخرطوم، الكلية الجامعية المكونة من عدة مدارس هي الآداب، والعلوم، والبيطرة، والزراعة، والهندسة، والحقوق، والإدارة، تؤهل الكلية الجامعية الطلاب للحصول على الديبلوما بعد دراسة لثلاث سنوات، ويجوز أن يدرج الطالب في نظام درجات Degrees جامعة لندن إذا حصل على مستوى قبول لندن Matriculation London .

*حنتوب في دارها*
كما سبقت الإشارة، غادرت حنتوب أم درمان في سبتمبر 1946 واتخذت الهدهد شعاراً لها، أُطلق على القارب (اللنش) الذي كان يربطها بمدينة ود مدني إسم (هدهد) وأُسلم قيادته للربان الماهر (عبدو) .
وكان سكان حنتوب من التلاميذ مزيجاً قومياً او تدامجاً وطنياً فريداً، فقد كان يؤمها التلاميذ من دارفور وكردفان وكسلا وبورتسودان ومن مديرية النيل الازرق القديمة ونعني بذلك الجزيرة وكوستي والدويم وسنجة والروصيرص، كما أُلحق بها تلاميذ من اليمن الجنوبي والصومال البريطاني، ونحن نذكر اليمن يجدر بنا أن ننوه إلى أن المعارف إنتدبت حسن فريجون ونخبة من المدرسين السودانيين لإنشاء أول مدرسة ثانوية في عدن، وكان قد سبقه إلى المكلا بحضرموت الشيخ القدال سعيد القدال منتدباً من بخت الرضا لإنشاء تعليم أولي هناك .

كان لويس براون أول ناظر لحنتوب وكان قبلها يشغل منصب ناظر المدرسة الثانوية الصغرى (الزراعية) ببخت الرضا، وعُين له مساعدان وقد كانا كرايتون وأحمد محمد صالح، وضمت هيئة التدريس القادمة من أم درمان نصر الحاج علي، وعبدالحليم علي طه، وأمين زيدان، والسني عباس، وعبدالله عبدالرحمن الأمين، وقدم إليها من المصريين محمد راتب الصديق ومحمد محيي الدين أبو النجا، ومنير ونيس، ومن البريطانيين هولت (التاريخ) وماكبين (الجغرافيا)، واستايلز، وجونز، وبرت، ودوقلاس .
جلس لإمتحان شهادة كمبردج في حنتوب في نهاية عام 1946م 47 تلميذاً نجح منهم 32 تلميذاً، وقد إعتبرت مصلحة المعارف هذه النتيجة مرضية للغاية بسبب الإضطراب وحالة عدم الإستقرار التي سببتها أعمال البناء الضخمة التي كانت تجري في حنتوب وحركة العمال ومراقبي الأعمال وغيرهم .

*الداخليات في عهد كلية غردون التذكارية*
كان يُطلق على الداخليات أسماء بريطانية مثل : كرومر(قنصل بريطانيا العام في مصر)، كري(أول مدير تعليم)، كوكس(مدير المعارف سابقاً)، كتشز(حاكم عام سابق)، مفي(حاكم عام سابق)، إستاك(حاكم عام سابق)، آرشر(حاكم عام سابق).
عند إنتقال حنتوب إلى مقرها في سبتمبر 1946 كانت هناك أربع داخليات هي: المك نمر، والزبير، وعثمان دقنه، وأبوعنجة. وفي مستهل عام 1947 وقبل الإفتتاح الرسمي في 4/3/1947 أضيفت داخليتا النجومي و ود ضيف الله(صاحب الطبقات) وفي تواريخ لاحقة شُيدت داخليتا علي دينار وأبو الكيلك، وقبل أن يغادر جيلنا حنتوب في حوالي مارس 1959م أقيمت داخلية ود عدلان في الفضاء الواقع بين داخليتي ضيف الله والمك نمر، وقد أدينا فيها إمتحان الشهادة لأنها لم تكن قد سُكنت بعد، وقد ورد في تقرير صحفي نشر في 14/3/1947 أن التلاميذ أعربوا «عن فرحتهم عند إبدال الأسماء الإنجليزية بأسماء أبطال التاريخ السوداني مما يدل على مقدار إعتزازهم بقوميتهم السودانية ومبلغ اعتدادهم بها».
*مراسم الإفتتاح*
حضر حفل الإفتتاح مستر بريدن مدير مديرية النيل الازرق وبعض موظفيه، ومستر ويليمز مدير مصلحة المعارف، ونائب عميد كلية غردون، وناظر مدرسة وادي سيدنا، ونائب عميد معهد التربية ببخت الرضا عبدالرحمن علي طه ونفر من مدرسي المعهد، وقاضي القضاة بالإنابة، ورجال التعليم الحكومي والأهلي بالعاصمة والجزيرة، وبعض العاملين بشركة السودان الزراعية التي كانت تدير مشروع الجزيرة، كما حضر الحفل الشريف عبدالرحمن يوسف الهندي وعدد كبير من أعيان واد مدني والجزيرة .
بدأت مراسم الإفتتاح بوصول الحاكم العام هيوبرت هدلستون وعقيلته في الساعة العاشرة والنصف صباحاً حيث تفقد أولاً طابور الشرف المكون من طلاب التدريب العسكري بالمدرسة ثم قص الشريط الحريري بمدية سودانية قيل أنها أثرية، دخل بعد ذلك إلى فناء المدرسة وقرع الجرس ثلاث مرات معلناً بذلك إفتتاح المدرسة، بعد الكلمة التي وجهها الحاكم العام تقدم الطالب عثمان إبراهيم رئيس داخلية النجومي ورئيس الرؤساء (الطبيب من بعد) فشكر الحاكم العام نيابة عن الطلبة وأهدى له المدية السودانية كتذكار .
تناول الحاكم العام والضيوف وجبة الغداء في قاعة طعام الطلاب، وقد تكفل بنفقات الغذاء والمرطبات التي قُدمت في ذلك اليوم الشيخ أبو زيد أحمد التاجر بود مدني وأحد أعيانها، كما تبرع للمدرسة بـ 120 جنيهاً، ويعتقد على نطاق واسع أن بعض الأراضي التي أُقيمت عليها المدرسة كانت من أملاكه، ربما كان إفتتاح حنتوب آخر مهمة كبرى قام بها ذلك الحاكم العام، فقد إنتهت فترة عمله في السودان في أبريل 1947 وحل مكانه في مايو 1947 حاكم عام جديد هو سير روبرت هاو، وكانت تلك أول مرة يتولى هذا المنصب ديبلوماسي قادم من الخارجية البريطانية .
بعد الظهر حضر الضيوف الألعاب الرياضية والسباقات بين الداخليات، كان يتضمنها سباق إختراق الضاحية، جاء في المركز الأول لهذا السباق الطالب عبدالرحمن أحمد الصومالي الذي عاد إلى السودان في تاريخ لاحق كسفير لبلاده، وحصل طالب صومالي آخر هو أحمد حاج دوعال على المركز الثاني ثم إنتقل الجميع إلى فناء المدرسة حيث أقيم حفل شاي ألقى فيه أحمد محمد صالح قصيدة حيا فيها المناسبة نقتطف منها *قوله :*
برزت للورى منارة علم
رمزها هدهد ورأي سديد
فأتاها الحجيج من كل صوب
ذاك مسترشد وذا مستفيد
تيمتني ولم ترق لحالي
فأنا اليوم مستهام عميد

والقى مدير المعارف ويليمز كلمة باللغة العربية الفصحى أوضح فيها إهتمامه بالتعليم الثانوي، وذكَّر التلاميذ بأن التعليم الثانوي إمتياز لا يحصل عليه إلا القلائل وأنه يجب على الذي يحصل على هذا الإمتياز أن يوطن نفسه ليكون عضواً نافعاً في المجموعة، وفي تعليقه على كلمة المدير، قال أحد الصحفيين: «إنه لو لم يكن يشوبها لكنة بسيطة لما كانت تقل عن خطبة أي عربي في العصر العباسي».
للفائدة نذكر أنه بالإضافة إلى وادي سيدنا و حنتوب كانت هناك مدرسة ثانوية صغرى تجارية في أم درمان أُنشئت في سنة 1942. كما كانت هناك مدرسة ثانوية صغرى زراعية في بخت الرضا .
*3/ خور طقت*
وفي 28 يناير 1950م إفتتح عبدالرحمن علي طه بوصفه وزيراً للمعارف مدرسة خور طقت الثانوية، وأعلن في خطاب ألقاه بتلك المناسبة أنه ستفتح مدرسة ثانوية رابعة في عام 1954 في المديرية الشمالية (يقصد عطبرة الحكومية)، وخامسة في أم درمان في عام 1956.

*وداع أحمد محمد صالح*
لم يبق أحمد محمد صالح طويلاً في حنتوب إذ نقل منها في نهاية عام 1947 لرئاسة مصلحة المعارف مساعداً للمدير وحل محله في حنتوب النصري حمزة .
*وفي حفل وداعه ألقى عبدالحليم علي طه قصيدة طويلة بالشعر القومي قال في مطلعها :*
الهـــدهـــد حــزين مرت عليهو ليالــي
اتبـــدل نغيمـــــو خلا لحنــو الحـــالي
مسجون في الجنوب إنهدّ ركنو العالي
تلعبو الجـــنوب لكـن هواهو شـــــمالي
ســــامر للنجـــم كتر السهر متـــــوالي
والفـــاقد الدليل من الســــهر مــا ببــالي

*ومن الكثير الذي قاله في مدح أحمد محمد صالح نقتطف :*
لا دهــــراً معين لا ثروة في دنيــاهو
عايش بالكفاف والبلقى صارفو نداهو
كل ما نال مراد زاد في البُعد مرماهو
زاهد في الظهور والحكمة زايد جاهو

*وودع أحمد محمد صالح حنتوب بقصيدة نقتطف منها بغير ترتيب الأبيات التالية :*
رب عيش لنا بحنتـــوب غــض كـــان أنقى من الزلال شـرابا
وليال هي الربيـــع ابتســـــاما عبــقت بالشذى وفاحت ملابا
كيــف أنســـى صحابة آزروني وكســـــوني مــن الفخار ثيابا
من كهـــول أعفــــة وشـــيوخ ضربــوا المجــد بالعراء قبابا
وشـــباب على الفضيلة شــبوا يعشـــــقون الاخلاق والآدابا
أســـروني فـمـا أطيـق فـكاكـاً لا ولا عنهم إرتضيت الذهابا
يا رفاقي دنا الرحيل وأضحى أمــر هذا الفراق حتماً مجـابا
لكم العهد أن أظل على العهـد وألا ازداد إلا إقتــــرابــــــــا
فــاذكرونـي إذا تبلـــج فجــــر واذكـروني إذا الأذان أهـــابا
واذكروا ناصحاً أميــناً وفــــياً لــم يكـــن في ودادكم مرتابا .